الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
116
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ( 1 ) . إن غلو النصارى معروف ، إلا أن غلو اليهود ، الذي يشملهم تعبير يا أهل الكتاب قد يكون إشارة إلى ما كانوا يقولونه عن العزير وقد اعتبروه ابن الله ، ولما كان الغلو ينشأ - أكثر ما ينشأ - عن اتباع الضالين أهواءهم ، لذلك يقول الله سبحانه ولا تتبعوا أهواء قوم ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل . وفي هذا إشارة أيضا إلى ما انعكس في التأريخ المسيحي ، إذ أن موضوع التثليث والغلو في أمر المسيح ( عليه السلام ) لم يكن له وجود خلال القرون الأولى من المسيحية ، ولكن عندما اعتنق بعض الهنود وأمثالهم من عبدة الأصنام المسيحية أدخلوا فيها شيئا من دينهم السابق ، كالتثليث والشرك . إن الثالوث الهندي ( الإيمان بالآلهة الثلاثة : برهما ، وفيشنو ، وسيغا ) ، كان تاريخيا أسبق من التثليث المسيحي الذي لا شك أنه انعكاس لذاك ، ففي الآية الثلاثين من سورة التوبة وبعد ذكر غلو اليهود والنصارى في مسألة العزير والمسيح ( عليه السلام ) يقول سبحانه يضاهئون قول الذين كفروا من قبل . وقد وردت كلمة " ضلوا " في هذه الآية مرتين بالنسبة للكفار الذين اقتبس منهم أهل الكتاب الغلو ، ولعل هذا التكرار من باب التوكيد ، إذ أنهم كانوا قبل ذلك من الضالين ، ثم لما أضلوا لآخرين بدعاواهم وقعوا في ضلال آخر ، ومن يسعى لتضليل الآخرين يكون أضل منهم في الواقع ، لأنه يكون قد استهلك قواه لدفع نفسه ودفع الآخرين إلى طريق التعاسة ولحمل آثام الآخرين أيضا على كاهله ، وهل يرتضي المرء السائر على الطريق المستقيم أن يضيف إلى آثامه آثام غيره
--> 1 - " لا تغلو " من مادة " الغلو " وهي بمعنى تجاوز الحد ، إلا أنها تستعمل للإشارة تجاوز الحد بالنسبة لمقام شخص من الأشخاص ومنزلته ، وبالنسبة للأسعار وتستعمل كلمة " الغلاء " و " غلو " السهم على وزنه " دلو " ارتفاعه وتجاوزه مداه ، وفي الماء يقال " غليان " و " الغلواء " جموح في الحيوان ، وهي جميعا من أصل واحد ، ويرى بعضهم أن الغلو يعني الإفراط والتفريط معا ، ويحصر بعضهم معناه بالتفريط فقط ، ويقابله التقصير .